الشيخ محمد هادي معرفة

409

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ثلاثة قروء قال تعالى : « وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ » . « 1 » قال الزمخشري : فإن قلت : لم جاء المميّز على جمع الكثرة دون القلّة التي هي الأقراء ؟ قلت : يتّسعون في ذلك فيستعملون كلّ واحد من الجمعين مكان الآخر ، لاشتراكهما في الجمعيّة . ألا ترى إلى قوله « بأنفسهنّ » وما هي إلّا نفوس كثيرة . ولعلّ القروء كانت أكثر استعمالًا في جمع قرء من الأقراء ، فأُوثر عليه ، تنزيلًا لقليل الاستعمال منزلة المهمل ، فيكون مثل قولهم : ثلاثة شسوع . « 2 » الالتفات وتنوّع الكلام ممّا اخذ على القرآن : عدم نسجه على منوالٍ واحد ، فهناك ظاهرة الالتفات وتنوّع الخطاب والانتقال والرجوع والقطع والوصل . . . وإلى أمثال ذلك من التنقّل الكلامي . زعموا أنّه قد يشوّش على القارئ فهم المعاني ! « 3 » لكنّه جهل بأساليب البديع من كلام العرب ، وما ذاك الالتفات وهذا التنقّل في الخطاب إلّا تطرية في الكلام تزيد في نشاط السامعين وتسترعي انتباههم لفهم مناحي الكلام أكثر وأنشط . والشيء الذي أغفلوه أنّهم حسبوا من صياغة القرآن أنّها صياغة كتاب ، في حين أنّها صياغة خطاب . إنّ لصياغة الكتاب مميّزات تختلف عن مميّزات صياغة الخطاب . فقضيّة الجري على منوالٍ واحد هي خاصّة بصياغة الكتاب . أمّا التنوّع والتنقّل والالتفات فهي من خاصّة صياغة الخطاب ، سواء أكان نظما أم نثرا ، فلا يتقيّد الناطق بالاطّراد في سياقٍ واحد ، بل له الانتقال والتحوّل أثناء الكلام حسبما ساقته دلائل المقام .

--> ( 1 ) - البقرة 228 : 2 . ( 2 ) - الكشّاف ، ج 1 ، ص 272 . ( 3 ) - هاشم العربي محلق ترجمة كتاب الإسلام ، ص 423 .